ابو بكر بن طفيل

27

حي بن يقظان

هي الأجسام الصقيلة ، غير الشفافة ، ويليها في قبول ذلك الأجسام الكثيفة ، غير الصقيلة . فأما الأجسام الشفافة التي لا شيء فيها من الكثافة ، فلا تقبل الضوء بوجه . وهذا وحده مما برهنه الشيخ أبو علي ( وحده ) خاصة ، ولم يذكره من تقدمه . فإذا تم وصحت هذه المقدمات ، فاللازم عنها ، ان الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجساما أخر تماسها ، لان الشمس ، في ذاتها ، غير حارة ، ولا الأرض أيضا تسخن بالحركة ، لأنها ساكنة ، وعلى حالة واحدة في وقت شروق الشمس عليها وفي وقت مغيبها عنها . وأحوالها في التسخين والتبريد ظاهرة الاختلاف للحس في هذين الوقتين . ولا الشمس أيضا تسخن الهواء أولا ، ثم تسخن بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة الهواء . وكيف يكون ذلك ، ونحن نجد ان ما قرب من الهواء من الأرض في وقت الحر ، أسخن كثيرا من الهواء الذي يبعد منه علوا ؟ فيبقى ان تسخين الشمس للأرض انما هو على سبيل الإضاءة لا غير . فان الحرارة تتبع الضوء ابدا ؛ حتى أن الضوء إذا افرط في المرآة المقعرة اشعل ما حاذاها . وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية ، ان الشمس كروية الشكل ، وان الأرض كذلك ، وان الشمس أعظم من الأرض كثيرا ، وان الذي يستضيء من الأرض بالشمس ابدا هو أعظم من نصفها ، وان هذا النصف المضيء من الأرض في كل وقت أشد ما يكون الضوء في وسطه ، لأنه ابعد المواضع من الظلمة عند محيط الدائرة ، ولأنه يقابل من الشمس اجزاء أكثر ؛ وما قرب من المحيط كان أقل ضوءا حتى ينتهي إلى الظلمة عند محيط الدائرة الذي ما أضاء موقعه من الأرض قط ؛ وانما يكون الموضع وسط دائرة الضياء ، إذا كانت الشمس على سمت رؤوس الساكنين فيه ؛ وحينئذ تكون الحرارة في ذلك الموضع أشد ما يكون . فإن كان الموضع مما تبعد الشمس فيه عن مسامتة ، رؤوس أهله ، كان شديد البرودة جدا ؛ وان كان مما تدوم فيه المسامتة ، كان شديد الحرارة . وقد ثبت في علم الهيأة ان بقاع الأرض التي على خط الاستواء لا تسامت الشمس رؤوس أهلها ، سوى مرتين في العام : عند حلولها برأس الحمل ، وعند حلولها برأس الميزان . وهي في سائر العام ستة اشهر جنوبا منهم ، وستة اشهر شمالا منهم . فليس عندهم حر مفرط ، ولا برد مفرط . وأحوالهم بسبب ذلك متشابهة . وهذا القول يحتاج إلى بيان أكثر من هذا ، لا يليق بما نحن بسبيله ، وانما نبهناك عليه لأنه من الأمور التي تشهد بصحة ما ذكر من تجويز تولد الانسان بتلك البقعة من غير أم ولا أب . فمنهم من بتّ الحكم ، وجزم القضية بأن ( حي بن يقظان ) من جملة من تكوّن في تلك البقعة ، من غير أم ولا أب .